تسجيل الدخول

تسجيل الدخول إلى حسابك

اسم المستخدم *
كلمة المرور *
تذكرني

إنشاء حساب جديد

الحقول المعلَّمة بعلامة النجمة (*) إلزامية.
الاسم *
اسم المستخدم *
كلمة المرور *
تأكيد كلمة المرور *
البريد الإلكتروني *
تأكيد البريد الإلكتروني *
Image
المدير ورئيس التحرير:
الدكتور علي الشرمان

مقالة نقدية للدكتور علي شرمان لمهرجان الاغنية الاردنية/ حين تصبح البيروقراطية وصية على الابداع

 

مهرجان الأغنية الأردنية… حين تصبح البيروقراطية وصيّةً على الإبداع

 

هارموني جو/ د. علي شرمان/ دكتوراة في العلوم الموسيقية ودكتوراة في العمارة الداخلية

الفترة الزمنية لاعداد هذه المقالة: (4 ساعات عمل).

قلتُ هذه الجملة قبل ثلاثة وعشرين عامًا، وتحديدًا عام 2003، في مؤتمر الموسيقى العربية الذي انعقد في مصر، خلال اجتماع أُقيم في إحدى

قاعات مقر جامعة الدول العربية:

"العمل الإبداعي تهدمه البيروقراطية، والقيادة الشابة وتداول السلطة ضرورة لحماية الإبداع وتجديده".

كانت جملةً دفعتُ ثمنها طويلًا؛ إذ غابت دعوتي عن المشاركة في المجمع العربي للموسيقى طوال ثلاثة وعشرين عامًا، وحتى اليوم لم أُدعَ إلى

المشاركة فيه لنفس البيروقراطية.

واليوم أعيد الجملة ذاتها. لكنني هذه المرة لا أملك منصبًا أخشى خسارته، ولا موقعًا أخشى عليه، ولا وظيفةً أخشى أن تكون ثمنًا لرأي أقوله.

اليوم أنا متقاعد ولذلك أستطيع أن أقول ما ينبغي أن يقال، لا ما ينبغي أن يقال لإرضاء أصحاب القرار. ومن هنا، فإن الحديث عن مهرجان الأغنية

الأردنية الذي تقيمه وزارة الثقافة بالتعاون مع نقابة الفنانين الأردنيين، ليس اعتراضًا على فكرة المهرجان، بل دفاعًا عن فكرته، وعن حق الأغنية

الأردنية في أن تكون مشروعًا إبداعيًا حقيقيًا، لا مناسبة إدارية تتكرر فيها الأسماء والآليات ذاتها.

عندما تتحول المؤسسة من حاضنة للإبداع إلى وصيّة عليه، فالمشكلة ليست في وجود المؤسسات. المشكلة تبدأ عندما تتحول المؤسسة من

إطار لتنظيم الإبداع إلى سلطة تحدد من يبدع، ومن يشارك، ومن يحكّم، ومن يكتب، ومن يقرر. الإبداع بطبيعته قائم على الاختلاف والمغامرة وكسر

المألوف، بينما البيروقراطية بطبيعتها تميل إلى الاستقرار، وإعادة إنتاج ما تعرفه، وتفضيل ما سبق أن جُرّب، وهنا تنشأ المفارقة:

كيف يمكن لمؤسسة بيروقراطية أن تدير إبداعًا يفترض أن يكون متمردًا على القوالب؟

الأغنية ليست معاملة رسمية، واللحن ليس نموذجًا إداريًا، والموسيقى لا تنمو بالتعاميم.

الفن يحتاج إلى مساحة من الحرية، وإلى تعدد في الرؤى، وإلى أجيال مختلفة، وإلى أسماء جديدة قادرة على مساءلة السائد، لا إلى إعادة تدوير

السائد نفسه.

محسوبيات اللجان أم معايير الاختيار؟ من أكثر الأسئلة التي تستحق الطرح في مهرجان الأغنية الأردنية: كيف تُشكّل اللجان؟ ما المعايير العلمية

والفنية التي تحدد أعضاء اللجنة العليا المنظمة؟ وما المعايير التي تحكم اختيار اللجنة العليا المنظمة للمهرجان، ولجنة اختيار النصوص، ولجنة

التحكيم؟ هل يتم

الاختيار بناءً على التخصص الدقيق والخبرة الإبداعية المباشرة في صناعة الأغنية المعاصرة؟ أم أن الاعتبارات المؤسسية والعلاقات الشخصية

والحضور الوظيفي تلعب دورًا أكبر من المعرفة الموسيقية المتخصصة؟ هذه ليست أسئلة ترفية. لأن اللجنة هي التي ترسم ذائقة المهرجان.

وعندما تتكرر الأسماء نفسها في مواقع مختلفة، سنة بعد أخرى، وفي مهرجان جرش وغيره من الفعاليات الموسيقية، فإن السؤال الطبيعي يصبح:

أين تداول الخبرة؟ وأين التجديد؟ وأين الأجيال الجديدة؟

ليس من المنطقي أن يتحول المشهد الموسيقي الأردني إلى دائرة مغلقة يدور فيها عدد محدود من الأسماء، بينما يقف خارجها عشرات المبدعين

الذين يمتلكون تجارب حقيقية في التأليف والتلحين والغناء والتوزيع والأداء. هل كل من يدرّس الموسيقى متخصص في صناعة الأغنية؟

هنا نصل إلى قضية أكثر جوهرية. ثمة خلط، في بعض التشكيلات، بين التربية الموسيقية والعلوم الموسيقية والممارسة الإبداعية للأغنية

المعاصرة. وهذه مجالات متقاطعة، لكنها ليست مجالًا واحدًا. التربية الموسيقية تهتم في جوهرها بطرائق تعليم الموسيقى، وبناء المناهج، وتطوير

المهارات الموسيقية لدى المتعلم، وطرائق التدريس والتعلم.

أما العلوم الموسيقية، بمفهومها الأوسع، فتشمل مجالات مثل تاريخ الموسيقى، والنظريات الموسيقية، والتحليل، والموسيقى العربية، والمقامات

والإيقاعات، والبحث الموسيقي وغيرها.

أما صناعة الأغنية المعاصرة فهي عالم آخر يتطلب خبرة عملية مباشرة في الكتابة والتلحين والتوزيع والغناء والتسجيل والإنتاج وفهم ذائقة الجمهور

وتحولات السوق الموسيقية.

وهنا لا يجوز أن نقول إن أحد هذه المجالات يغني عن الآخر، الأستاذ المتخصص في التربية الموسيقية له مكانته واحترامه، والباحث في العلوم

الموسيقية له دوره، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل متخصص في التعليم الموسيقي يمتلك الخبرة الإبداعية الكافية للحكم على أغنية معاصرة

أو تقييم نص غنائي أو لحن أو توزيع موسيقي. التخصص ليس رتبة إدارية؛ التخصص هو معرفة دقيقة بمجال محدد. ولا ننسى الفرق الكبير والكبير

جدا ما بين الاغنية التراثية الاردنية وما بين الاغنية الاردنية المعاصرة؟!

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: من يحمل لقب أستاذ أو دكتور؟

بل: ما المجال الذي يتخصص فيه؟ وما علاقته المباشرة بالمهمة التي أُسندت إليه؟

اللجنة العليا… هل تحتاج إلى إعادة نظر؟

من حق الجمهور والموسيقيين أن يسألوا عن فلسفة تشكيل اللجنة العليا المنظمة للمهرجان.

عندما تكون أعمار عدد من أعضاء اللجنة في السبعينيات والثمانينيات، فإن القضية ليست في العمر بحد ذاته. فالعمر ليس تهمة، والخبرة قيمة لا

يمكن الاستغناء عنها، لكن الخبرة عندما تتحول إلى احتكار دائم للمشهد تصبح عائقًا أمام التجديد. المطلوب ليس إقصاء الكبار، بل إشراك الشباب

إلى جانبهم. فلماذا لا تكون هناك تركيبة تجمع بين صاحب الخبرة التاريخية، والمبدع الذي يعيش المشهد الموسيقي الراهن، والباحث المتخصص،

والمنتج الموسيقي، والمغني، والملحن، والشاعر، والموزع؟ لماذا لا نخلق توازنًا حقيقيًا بين الأجيال؟

القيادة الشابة لا تعني إقصاء الكبار؛ تعني أن نمنح الجيل الجديد فرصة أن يصبح كبيرًا.

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحًا: إذا كان المهرجان مهرجانًا للأغنية الأردنية، فأين نجوم الأغنية الأردنية وصنّاعها في لجان التحكيم ورسم السياسات؟

أين عمر العبداللات؟

أين ديانا كرزون؟

أين غادة عباسي؟

أين زين عوض؟

أين هبة عباسي؟

أين نداء شرارة؟

أين نانسي بترو؟

أين عامر محمد؟

أين محمود سلطان؟

أين أيمن تيسير؟

أين نضال عبيدات؟

أين جورج أسعد؟

أين صقر صبحي عبده موسى؟

أين محمد عثمان؟

أين عزيز مرقة؟

أين رامي شفيق؟

أين كارولين ماضي؟ والكثير الكثير.

وأين الكاتب والملحن ناصر البشير، صاحب الأغنية التي قدّمها عمر العبداللات في افتتاح الدورة الأربعين من مهرجان جرش؟ وأين الأصوات الأردنية

التي وصلت إلى العالمية، مثل ديما بواب وإيمان بيشة، وغيرها من التجارب التي تستحق أن تكون جزءًا من المشهد الموسيقي الوطني؟

هذه الأسماء لا ينبغي أن تُطرح بوصفها «قائمة مطالب شخصية»، وإنما بوصفها أمثلة على اتساع المشهد الموسيقي الأردني مقارنة بدائرة

الأسماء التي تتكرر في بعض الفعاليات واللجان. لا يمكن بناء أغنية المستقبل بعقلية الماضي، المهرجان الذي يحمل اسم «الأغنية الأردنية»

ينبغي أن يكون مختبرًا للمستقبل،ينبغي أن يسأل:

كيف تبدو الأغنية الأردنية بعد عشر سنوات؟

كيف يمكن أن نزاوج بين الهوية الأردنية واللغة الموسيقية الحديثة؟

كيف يمكن أن نفتح الباب أمام الموسيقى الإلكترونية؟

كيف نمنح التوزيع الموسيقي مكانته؟

كيف نستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الإنتاج الموسيقي دون أن نفقد الهوية؟

كيف نخلق نصًا أردنيًا معاصرًا؟

كيف ننتقل من أغنية المهرجان إلى صناعة موسيقية مستدامة؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها البيروقراطية بل يجيب عنها المبدعون.

والشيء بالشيء يذكر:  جرش والأغنية الأردنية… الوجه نفسه. ومن المفارقات التي تستحق المراجعة أن أسماءً ووجوهًا بعينها تظهر في فعاليات

موسيقية كبرى، ومنها مهرجان جرش، ثم نجد حضورًا مشابهًا في مهرجان الأغنية الأردنية.

وهنا لا تكمن المشكلة في أن الشخص نفسه شارك مرة أخرى، ولكن المشكلة في غياب التعدد.

إذا كان الشخص مؤهلًا، فليشارك، لكن ينبغي أن نفتح الباب أيضًا أمام الآخرين، المهرجان الوطني لا ينبغي أن يتحول إلى نادٍ مغلق. واللجنة

الوطنية لا ينبغي أن تصبح ملكية دائمة.

والخبرة لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز أبدي.

أين الفنان داخل لجان التحكيم؟ الأغنية ليست معادلة رياضية، هناك عناصر قابلة للتحليل: المقام، الإيقاع، البناء اللحني، التوزيع، الأداء، النص،

اللغة، والهارموني. لكن هناك أيضًا عناصر إبداعية لا يمكن اختزالها في استمارة تقييم: الشخصية، والهوية، والقدرة على التعبير، والابتكار،

والدهشة، والاتصال بالجمهور. ولهذا يجب أن تضم لجان التحكيم مزيجًا حقيقيًا من الأكاديمي والمبدع والممارس فلا يكفي أن تكون اللجنة أكاديمية

ولا يكفي أن تكون فنية، ولا يكفي أن تكون إدارية، المطلوب لجنة تمتلك القدرة على النظر إلى الأغنية من جميع زواياها.

المطلوب ليس إلغاء المؤسسات، بل تحرير الإبداع من هيمنتها. أنا لا أدعو إلى إلغاء وزارة الثقافة، ولا إلى إلغاء نقابة الفنانين، ولا إلى إلغاء التعليم

الموسيقي أو الأكاديمي. بل أدعو إلى أن تعرف كل مؤسسة حدود دورها. وزارة الثقافة تضع السياسات الثقافية وتدعم الإبداع، النقابة تحمي

مصالح الفنانين وتنظم المهنة، الجامعة تدرّس وتبحث وتنتج المعرفة، أما الإبداع فيجب أن يبقى حرًا. وإذا اجتمعت هذه المؤسسات، فيجب أن

تتكامل أدوارها لا أن تختلط اختصاصاتها.

متى نكسر الدائرة؟

السؤال الأكبر ليس من فاز في هذه الدورة أو تلك. السؤال هو:

هل استطاع المهرجان أن يغيّر المشهد الغنائي الأردني؟

هل خرج منه فنانون أصبحوا أسماءً مؤثرة؟

هل أنتج أغاني بقيت في الذاكرة؟

هل قدم اتجاهات موسيقية جديدة؟

هل أصبح منصة حقيقية لاكتشاف المواهب؟

هل استطاع أن يصنع جمهورًا جديدًا للأغنية الأردنية؟

إذا كانت الإجابة «لا» أو «ليس بالقدر الكافي»، فإن النقد يصبح ضرورة، لا ترفًا.

لأن المهرجان الذي لا يراكم التجربة يتحول إلى موعد سنوي. والمهرجان الذي لا يغيّر شيئًا في المشهد يتحول إلى احتفال. أما المهرجان الحقيقي،

فهو الذي يترك أثرًا بعد انتهاء المسرح وإطفاء الأضواء.

إلى متى؟

إلى متى يبقى الإبداع الموسيقي مرهونًا بموافقة شخصين أو ثلاثة؟

إلى متى يبقى الفنان الأردني بحاجة إلى رضا أصحاب النفوذ الثقافي كي يحصل على فرصة؟

إلى متى تبقى بعض المؤسسات تعيد إنتاج الأسماء نفسها؟

إلى متى نتحدث عن الشباب بينما تظل مواقع القرار الثقافي مغلقة أمامهم؟

إلى متى تبقى البيروقراطية ممسكة بعجلة التنمية الثقافية؟

وإلى متى نطالب الفنان الأردني بأن يكون مبدعًا، ثم نضع أمامه نظامًا لا يكافئ الإبداع بقدر ما يكافئ القرب من المؤسسة؟ الأردن ليس فقيرًا

بالمواهب، الأردن فقير، في بعض الأحيان، في إدارة المواهب. لدينا مطربون وملحنون وشعراء وموزعون وعازفون وباحثون وأكاديميون وتجارب

شبابية قادرة على أن تصنع مشهدًا موسيقيًا أردنيًا مختلفًا، لكن الموهبة وحدها لا تكفي، إن لم تجد نظامًا عادلًا يكتشفها، ويمنحها الفرصة، ويقيّمها

بمعايير واضحة، فإنها ستظل خارج المشهد.

الكلمة الأخيرة

قلتُ عام 2003: "العمل الإبداعي تهدمه البيروقراطية". وأقولها اليوم، بعد ثلاثة وعشرين عامًا، وأنا متقاعد ولا أملك منصبًا أخشى عليه:

لا تحاكموا الإبداع بعقلية الوظيفة.

لا تجعلوا المؤسسات بوابات إجبارية يمر منها الفنانون كي يصلوا إلى جمهورهم.

لا تجعلوا اللجان دوائر مغلقة.

لا تجعلوا الخبرة احتكارًا.

لا تجعلوا الشهادات بديلًا عن الممارسة.

ولا تجعلوا المهرجان مرآةً لأسماء الماضي فقط.

إن أردنا أغنية أردنية تليق بالأردن، فعلينا أن نمنحها أولًا حرية أن تكون أردنية، ومعاصرة، ومختلفة، وجريئة. المطلوب اليوم ليس تغيير أسماء فقط،

وإنما تغيير الفلسفة.

فالأغنية الأردنية لن تتقدم بتغيير لجنة إلى لجنة، ولا باستبدال اسم باسم، وإنما بإعادة بناء منظومة الاختيار كلها على أساس الكفاءة، والتخصص،

والنزاهة، والتنوع، وتداول المسؤولية، وإشراك الأجيال الجديدة، واحترام المبدع الحقيقي. وعندها فقط يمكن أن يصبح مهرجان الأغنية الأردنية أكثر

من مهرجان. يمكن أن يصبح مشروعًا وطنيًا لصناعة مستقبل الموسيقى الأردنية. أما أن يبقى الإبداع محتكمًا إلى بيروقراطية المؤسسات،

ومحكومًا بدائرة ضيقة من الأسماء، فإن السؤال سيظل قائمًا:

إلى متى؟

 

 

 

 

 

Image

هارموني هو إعلام موسيقي راقٍ، بصرياً وصوتياً، يجمع بين روح الفن العربي ومعايير الإعلام العالمي.

جميع الحقوق محفوظة هارموني - دغدغة التضاد © 2026.